المقريزي

118

رسائل المقريزي

ولا هي أسباب لها وإنما غايتها أن تكون أمارة . والسنة النبوية هي أن عموم مشيئة الله وقدرته لا تنافى ربط الأسباب بالمسببات وارتباطها بها . وكل طائفة من أهل الباطل تركت نوعا من الحق فإنها ارتكبت لأجله نوعا من الباطل بل أنواعا ، فهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه « 1 » . رأى الفلاسفة والمتصوفة في العبادات : الصنف الثالث : الذين زعموا أن فائدة العبادة رياضة النفوس « 2 » واستعدادها لفيض العلوم والمعارف عليها وخروج قواها من قوى النفس السبعية والبهيمية ، فلو عطلت العبادة لالتحقت بنفوس السباع والبهائم ، فالعبادة تخرجها إلى مشابهة العقول فتصير قابلة لانتقاش صور المعارف فيها . وهذا يقوله طائفتان : أحدهما : من يقرب إلى الإسلام والشرائع من الفلاسفة القائلين بقدم العالم وعدم الفاعل المختار . والطائفة الثانية : من تفلسف من صوفية الإسلام ويقرب إلى الفلاسفة ، فإنهم يزعمون أن العبادات رياضيات لاستعداد النفوس للمعارف العقلية ومخالفة العوائد . ثم هؤلاء من لا يوجب العبادة إلا بهذا المعنى ، فإذا حصل لها ذلك بقي متحيرا في حفظ أوراده والاشتغال بالوارد عنها . ومنهم من يوجب القيام بالأوراد وعدم الإخلال بها ، وهم صنفان أيضا : أحدهما : من يقول بوجوبها حفاظا للقانون وضبطا للناموس . والآخرون : يوجبونها حفظا للوارد وخوفا من تدرج النفس بمفارقتها إلى حالها الأولى من البهيمية ، فهذه نهاية أقدامهم في حكمة العبادة وما شرعت لأجله ، ولا تكاد تجد في كتب المتكلمين على طريق السلوك غير طريق من هذه الطرق الثلاثة أو مجموعها .

--> ( 1 ) انظر تفصيل ذلك للإمام ابن القيم في « التفسير القيم » ( 84 ، 85 ) ، مدارج السالكين ( 1 / 50 - 52 ) ، مفتاح دار السعادة ( 3 / 151 ) ، طريق الهجرتين ( 104 ، 105 ) . ( 2 ) انظر التفسير القيم ( 86 ، 87 ) في ذكر الصنف الثالث والرابع ، ومدارج السالكين ( 1 / 54 ، 55 ) .